فـي اســكنـدريـة
مجاهد الطيب
وصول
وصل القطار في المغربية . كان خريفا . الأجواء
خارج محطة سيدي جابر أوربية بامتياز ، الأمطار على أشدها ، ومع ذلك الشوارع لا
تُقارَن ؛ ليست غارقة غرق القاهرة . بدأ الوهن . أعبر سريعا الشارع الصغير ؛
لأحتمي بقهوة عبد الكريم . أحمل شنطة كبيرة وأخرى هاند باج ، ومشاريع أحلام تحتاج إلى قرون والله المستعان ، بوابات الأحلام لها طعم ... انتَ فاهمني ؟ وخصوصا عندما
تلح عليك في غمرة انشغالاتك . ما قيمة أن تكون مشغولا أو غارقا لشوشتك في أمر ما ،
ثم لا شيء .. لاشيء بعده . أنا مختلف ، لدي موعد ، مواعيد ، لكني أتمنع ، ليس تمنع الزاهدين . لا داعي للعجلة : آدي
الجمل وآدي الجمَّال .
في اسكندرية بلا أهل ولا مواعيد للخروج أوالعودة.
العودة نفسها ليست مهمة ، حتى الأصدقاء أصدقاء العمر في مكان آخر . البدايات أكثر من رائعة لأنها قد تفضي إلى الممكن الذي كان غير ممكن . ستتوطد
علاقتي بعم أحمد المسئول عن البريد في الكلية . أسبوعيا تنهمر عليّ الرسائل من عين
شمس ومصر الجديدة رأسا مليئة بعبارات
الشوق والحنين مشيرة إلى الفراغ الكبير الذي تركته في الشلة ! كأني في واشنطن دي سي أو في باريس . بعضها يبدأ بـ
صديقي الغالي .......أو صديق العمر ..... وحكاوي عن قعدات الاستيمشن والبريدج :
صلاح لسه مصمم على 5 سانس من غير ما يبص
في الورق ، محمد صدقي مازال حافظا لمركزه -
هو الكوز بجدارة . آخذ الجواب من الكلية أطبقه وأضعه في جيبي . الرسائل لا تُفضُّ
هكذا على رءوس الأشهاد . بشوق الأصدقاء الذي هو في جيبي أخرج من الباب الخلفي
للكلية المفضي بسهولة عبر شارع واحد إلى كامب شيزار .
عشر
دقائق لا غير بقهوة عبد الكريم ، ويمكنني
أن أتكلم عن الإسكندرية بالتفصيل وأغوي
بها . " حاجة جميلة " أقول لنفسي . تؤازرني ميزة او عيب : الحب باندفاع
أو لنقل الإيمان الجارف بالبدايات . وهذا لا يعني أني أفتقر إلى
الأسانيد . فورا حولت كلام اقاربي السكندريين من كلام كنت أتلقاه بسخرية إلى حجج
وبراهين. صرت أعتبره وأعتقد فيه . يقول
الأقارب : " إحنا عندنا الشتا لما
ينزل بعد خمس دقايق تمشي في الشارع ما
تلقيش نقطة مية. الإنجليز هم اللي عملوا اسكندرية .عملوها صح "." ياسلام
على المشي على الكورنيش بعد المطر . أدفا مكان ." أيُّوه ع الزحمة والرطوبة
إحنا مابننزلوش مصر إلا للشديد القوي " "جوز بنتي عملها الحمام والمطبخ لحد السقف
بالزِلِزْلِي( القيشاني ) ". . لا
أعرف ما الذي دفع بتلك الجملة هنا وسط هذا التذكر الانتقائي ؟ جملة إحدي قريباتي
السكندريات حين كانت تتفاخر أو تتفشخر بشقة بنتها الجديدة .لم يكن معي أحد ، أنا
أساسا لا أعرف أحدا في الإسكندرية . فصرت أكلم نفسي كلاما مطولا . الكلام مع النفس
وخصوصا في هذه الموضوعات يكون سلسا وغاية في المنطقية لا يحتاج إلى طولة بال . أنت
لن تضحك على نفسك !
هندسة الإسكندرية
/ مدرج إعدادى
في زاوية بعيدة على
السبورة الكبيرة – إعلانات عن أماكن لسكن الطلاب. منها :
يوجد سكن للطلاب
المغتربين – من يرغب الاتصال بالطالب/ حسنى زهيرى- رابعة ميكانيكا أو
العنوان82 ش تانيس - كامب شيزار- الدور
الأرضى شقة 2 .
لم أتمكن بالطبع من مقابلة المدعو حسنى
زهيرى ، فبعد انتهاء المحاضرات توجهت إلى العنوان المذكور، فتح لى الباب إبراهيم
ياسين أولى مدنى : بائن الطول أبيض الوجه ، ذو ملامح ريفية وشارب حديث ، قال :
حسنى بيعمل شاى وجاى على طول ، جاء حسنى بعد وقت بكوب شاى واحد ، إبهامه يسند حافة
الكوب وبقية الأصابع مستقرة أسفل الكوب ،
واليد الحرة يطوحها إلى أعلى وأسفل متأففا
؛ كان يبالغ في تأثره بسخونة الكوب ، كأنه
يشوش على واجب الضيافة .
-
أهلا يا باشمهندس
-
أهلا
-
حسنى زهيرى رابعة
ميكانيكا.. أشرب الشاى بس ونروح أنا وأنت وإبراهيم نبص على الشقة.. الشقة قريبة
هنا فى شارع هيهيا واخدة ناصيتين شارع هيهيا مع طريق الجيش بتبص على البحر يعنى...
إعدادى انت هه ؟ باين عليك ( قالها وهو يبتسم بطريقة تنم عن إحساس ما بالزهو )
سألنى بعد ذلك عن اسمى ثم عقب ومنين فى القاهرة ؟ أحسن ناس ، انت حظك
كويس يا باشمهندس الناس اللى حاتسكن معاها بتوعوت مذاكرة ، الحمد لله تقدير كل سنة.
صعدنا السلم العمارة الكائنة بطريق
الجيش الدور الرابع والأخير : صالة صغيرة خالية تماما ، على اليمين حجرتان
الأولى قريبة جدا من باب الشقة وأمام باب الشقة مباشرة يوجد حجرة ثالثة ، ثم تنتهى
الصالة بممر صغير جهة اليسار الحمام على الشمال وأمامك مباشرة المطبخ ، و فى
مواجهة الحمام توجد الغرفة الرابعة ، عندما دخلنا اتجه حسنى مباشرة إلى الغرفة التى تتوسط الشقة وهى المواجهة لباب
الشقة قائلا : دى أوضتى ، ثم أشار الى الغرفة القريبة منها وقال : دى اوضة إبراهيم
، شوف بقى يا باشمهندس تاخد الأوضة اللى جنب إبراهيم دى ولا تفضل الجوانية .. احنا
قدامنا فرصة دلوقتى نختار ، واللى حايجى بعد كده حيبقى مضطر، كانت الغرفة المتبقية
في الصالة هى أكبر الغرف وتشتمل على سريرين والوحيدة التى بها بلكونة تطل مباشرة
على البحر، قبل أن نكمل كلامنا دق جرس الباب ودخل شاب برفقة أحد زملاء حسنى قال
الشاب : أخوكم الصاوى تالتة كهرباء ، قال : احتمال زميل تانى يجى يسكن معايا ، وعندما التقط من خلال الكلام انى انا بافكر
فى الاوضة الخارجية ، قال يبقى احنا ناخد الاوضة اللى جوه ( بدا الصاوى شخصا
مسالما تماما ، ممن يتنازلون حتى عن حقوقهم بسهولة نادرة ) ، علق حسنى على كلام الصاوى موجها الكلام إلي : انا انتهى دورى هنا يا بطل
بقى ، شوف اى واحد من زمايلك يسكن معاك (
بدا حسنى شخصا شريرا فلم يكن لى بعد أي زمايل ).
بعد هذه المداولات قال حسني أنا رايح "أسمع"
الماتش ع القهوة . حد ييجي معايا ؟ نزلنا ، ذهب بنا إلى قهوة في ميدان كامب شيزار القريب عند
تقاطع شارع بور سعيد مع الشارع الآتي من البحر . أمام القهوة كانت هناك سبورة صغيرة موضوعة على
كرسي كتب عليها اسم الفريقين المتنافسين وفي الداخل تلفزيون صغير على رف بعيد ، وهامات
كثيرة تتطلع صوبه .بعد المباراة كان يتقدمنا كمرشد سياحي قدير ، " الفول في
المحل ده محترم قوي " قال . طلب من البائع فولا فمد البائع يده ليصنع قرطاسا
كبيرا من ورق اللحمة وأخذ يفرغ فيه من القدرة . أقف مشدوها : هكذا فول بدون كسراولة
ولا سلطانية. فعلا أوربية . بالمناسبة الأكياس البلاسيتك كانت حتى هذه
اللحظة تنتمي إلى المستقبليات .
حسنى زهيرى. الاسم بدا خاليا من أى موسيقا .
لماذا لا يكون حسنى الزهيرى؟ ، لكنه كان
متناسبا تماما معه ، كما سيكشف حسنى بعد ذلك عن جميل خلاله.
حسنى زهيرى : متوسط الطول لديه صلع خفيف ،
لا ينادينا جميعا إلا بيا باشمهندس ، وينزعج
انزعاجا واضحا إذا تجرأ أحدنا بالحديث معه
دون اللقب ، لديه انحناءة صغيرة ، وفم خال من ثلاث أسنان على الأقل ..
يعطيك إحساسا قاطعا أن الهندسة صعبة ، بل التعليم عموما . كان دائم الفخر بأنه رابعة
ميكانيكا ؛ مما يدل دلالة واضحة أنه وصل إلى سنة التخرج بعد جهد جهيد ، وهذا ما سوف
يكشف عنه محمد صالح بعد ذلك ويواجه به حسنى بقسوة
، وتنقطع إلى حين كذبة حسنى الكبيرة عن الجيد جدا والتى حتى تنطلى علينا
وربما عليه يحرص من آن لآخر إلى تدعيمها بأكاذيب صغيرة ، كسبِّ الكلية التى دوما
تتأخر فى صرف مكافأة التفوق ، وفى أيام أخرى يدخل متهللا : أخيرا حنوا علينا
النهاردة ، وصرفوا المكافأة ، ويكون يوم الصرف فعلا.
الصاوى سيشاركنى غرفتى فى السنة التالية
والكائنة بالعمارة خلف 19 بكامب شيزار .الصاوي كان يعطينا دروسا في أضرار التدخين
، إلا أنه في أيام النكبات المعتادة كل شهر ، حين يمسك قرشا في يده ، يدخل عليَّ
مبتسما ثم يخرج من جيبه علبة كليوباترا درج ويقدمها متراجعا إلى الوراء قليلا .
يخفض رأسه ثم يمضي متفاديا الحمد والشكران . هذه المرة لن يشاركنا حسنى زهيرى الذى
انتهى فعلا من دراسته ولن نراه سوى مرة وحيدة سيأتي لاستخراج بعض الأوراق من
الكلية ، سيأتي ببدلة كاملة وكرافتة . حين قلت له إزيك يا با شنمهندس ؟ قال بتواضع
طازج كأنه اكتشفه لتوه : باشمهندس مين ؟ قول يا حسني ..إحنا أخوات ، ثم أردف: بكره
إنشاء الله تتخرجوا . لم أفهم هذا النوع من الفرح - فرح الانتهاء من التعليم . سيكون
معنا محمد صالح بغرفة مستقلة والسيد يوسف وأنا والصاوى فى غرفة مشتركة .
السيد : الواسطى بنى سويف رابعة ميكانيكا،
دائما ما يلبس طاقية صوفية فى الشقة وتحتها شراب فيليه لزوم فرد الشعر ، طيب جدا
حريص على عدم الدخول فى علاقات مالية مع الآخرين ( لا احب استلف ولا اسلف ) وكانت
هده الأخيرة أسوأ مافيه ، يجلس على ترابيزة كبيرة فى غرفته اشترى لها " مفرش
مشمع" والراديو الترانزستور مفتوح أمامه.. تسمع ضحكته عالية ؛ فتذهب لترى خير الله ما جعله خير ، فيحكى لك
عما سمعه في الراديو ، بعدها أصبح من
المعتاد أن يضحك سيد ولا حياة لمن تنادى. سيد عاشق مخلص لفريد الأطرش، حريص على لفت
الانتباه إلى مميزات فريد بطريقة غير لافتة .ابن عمه محروس الذى يعمل فى عثمان أحمد عثمان يزوره ويزورنا كل جمعة ، كان أكثر اجتماعية من السيد ، يعزم علينا –
بقلب – بالسجاير الديموريه ، وأحيانا يشاركنا السينما واللب والسودانى وزحام
شارع صفية زغلول.
شاعرنا
في
شلة عين شمس كان خالي القريب منا جدا في السن قد سبقنا إلى الجامعة ، التحق بكلية
طب الأسنان . كان مراسلنا الحصري من الجامعة ، على يديه عرفنا نجيب سرور ، أمياته ، ودواوينه .عرفنا : " قد أن يا كيخوت للقلب الجريح أن يستريح ..فاحفر هنا قلبا ونم ..وانقش
على الحجر الأصم : يا نابشا قبري حنانك ...ها
هنا قلب ينام ...لا فرق من عام ينام وألف
عام "، وأيضا وصل إلى أسماعنا قول لأحد الشعراء : " ناس تمرض
تموت من الأسبرين أبو صاغ... وناس تجيب الأطبة تداوي في كلابها ." ، حدث أن أتي مرة بديوان " البكاء بين يدي
زرقاء اليمامة " لأمل دنقل . تداولناه فيما بيننا ثم اتفقنا بالإجماع على عدم
أهميته .كان القرار حاسما . قال أشعرنا :
" الشعر عندي موسيقا .. وهذا ليس
بشعر " . اتفقنا وجددنا البيعة لشاعرنا الأثير في تلك الأيام فاروق جويدة
الذي اعتمده توفيق الحكيم شخصيا . أبرز ما جاء به خالي من الجامعة كان لعبة
الإستيميشن وأخواتها البريدج والجاك ، كنا نشعر بفخر كبير ...ظللنا طويلا نردد بهامات مرتفعة أمام شباب الحتة الأصغر وكبارها
المنغمسين في " السيجة " : 3 تريفل
\ 4 كاروه \ 5 سبيد \6 سانس \ ويز .
جلابيب بيض
كانت الجامعة
هادئة إلا من ذقون وجلابيب بيض أو بنطلونات قصيرة، تمشي في ردهات الكلية بفخر
وتسامح إلى حين ، بدوا كأقلية لها وضعها ،
وعلى استحياء كان الطلاب اليساريون يقفون بملابسهم المدنية مثل الغالبية العظمى من
الطلاب ، يقفون بجانب عدد قليل من مجلات الحائط مذيلة باسمهم الحركي " الطلاب
الديموقراطيون " ، أشعار لنجم ، وهجوم على السادات ، بدا هذا الهجوم متناغما مع جريدتي المفضلة
آنذاك جريدة الشعب الجريدة المعارضة الوحيدة في عموم القطر – كانت جريدة صغيرة
الحجم كالجرائد الرياضية . حين انتفض السادات ليهاجم الدولة الكبرى الملحدة كانت
أولى المظاهرات التي شاركت فيها بكسل وقلة همة ؛ فقد كانت مخالفة لتصوراتي ، فليس هناك كوبري سيفتح علينا ولا عصا للشرطة تهوي على رءوسنا . خرجنا من كلية
الهندسة إلى الشارع والشرطة تحرسنا ، وأصحاب الذقون الظاهرة والباطنة يتناوبون على
الهتافات التي كان أبرزها : " جاهد
جاهد يا أفغاني ....وانا معاك بكل كياني " ، ركاب الترام قرب محطة الرمل
يشاركوننا الهتافات من الشبابيك ، لم ينقلب الترام بالطبع. لم يحدث شيء ذو
بال حتى عادت المظاهرة إلى مقر الجامعة على
مقربة من الشاطبي . قبل أن نخرج من الكلية كان صديقنا اليساري يمشي في أعقاب
المظاهرة التي ما زالت صغيرة يضع على عيونه نظارة سوداء أكسبته نوعا من الشياكة وأخفت عيونه ، بدا
كنجوم السينما عندما يشاركون في الجنازات المعتبرة . عاد السادات وأطلق صيحتة المشهورة لا دين في
السياسة ولا سياسة في الدين ؛ فنبتت مجلات حائط جديدة تهاجم السادات الذي كشف عن
طويته ، ونازع المعممون الديموقراطيين ،
وبدا الأمر أن أصحاب الجلابيب أصحاب رأي و أيضا مجلات ، وتجاوز الأمر ذلك .
صديقي اليساري
من
عائلة ارستقراطية وقيل إقطاعية ، بشقة عائلته بـ زيزينا كان دائما يدفع تهمة أصوله
الغنية بحصيرة تغطي بلاط الغرفة ، وأحيانا
بإفساد هندامه كأن يلبس جاكيت شيك على بنطلون هو الأبعد ثم (شوز) حذاء رياضي ماركة باتا . بعد زيارة واحدة لشقة عائلته سيكون لاسمه وقع
خاص : سمير المليجي . مراتٍ ترافقنا أنا
وسميرالمليجي مشيا على كورنيش الإسكندرية
قاصدين قهوة والي ، يرافقني بود كبير داعيا
مخلصا إلى الشيوعية بالحكمة والموعظة
الحسنة ، وأحيانا بالسخرية من الأديان التي هي أفيون الشعوب ، كان بالنسبة لي أقرب
الطلاب السياسيين إلى قلبي، صاحب حس فني
رفيع وروح واسعة . هو عازف ماهر على العود ، مهارته كعازف وثوري تتبدى بجلاء مع
أغنية العزيق لفؤاد قاعود ، لم يكن المليجي
سوى فنان ضل طريقه ، لحظات بعده عن السياسة هي الأجمل ، لحظات رومانسية لها علاقة مباشرة بالثورة التي
يراها ويحشد لها الأتباع حتي لا ينفرد بالنهار الآتي ، بعد حوارات طويلة هدفها تجنيدي وانضمامي إلى
الفرقة الناجية والكائنة جهة الشمال ، غَيَّر مداخله وصار يتناقش معي حول طه حسين
صاحب الفتنة الكبرى . يبدو أنها وجهة نظر أو عقيدة مفادها أن الإلحاد سيسلم حتما
إلى اليسار ، كانت معظم الأحاديث لا بد أن يصاحبها هذا الحس الساخر من الدين
والمتدينين . الحقيقة أيضا أن الإسلاميين
ودوائر أوسع من المتعاطفين كان يسيرون في
أروقة الكلية ؛ فتخال أنك في أستوديو مصر وأن ملابسهم ليست سوى ملابس الدور ، وتسأل
نفسك لِمَ هذه العتامة وهذا التقفيل ؟
سعيد حربي
كان
نموذجا نادرا لليساري ، نسي جامعته وكليته ، صب جام حماسه على العمل التنظيمي .
نوع من الرضا والراحة النفسية يغمر وجهه ويسيل على بدنه الضئيل ، زاهد حقيقي لا
تذله حاجاته الأساسية ، بأقل القليل وغرفة صغيرة بخالد بن الوليد بابها على الشارع
مباشرة . خالد بن الوليد في أيام الشتاء القارس والعمارات الكاملة الخالية من
السكان . في غمرة هذا الهدوء الشتوي ، أو
لنقل في صحراء خالد بن الوليد نضرب الباب ..مبتسما يقابل طلعتنا المفاجئة عليه .
يرحب بكرم وأريحية ويرشدك في مكان لا يحتاج إلى إرشاد.. فليس هناك سوى السرير .
بحانب السرير ترابيزة صغيرة يعلوها بوتاجاز سطحي وبرطمان للسكر وثالث أصغر كثيرا
للبن .. تشربوا شاي ولا قهوة ؟ نتلكأ في الإجابة ولا يتلكأ في عمله . رفيقه سمير
المليجي سليل العائلة الأرستقراطية يبادره : إيه يا حربي عامل إيه ؟ فيجيب بابتسامة
تدل على الانتصار ، و لا تخلو من تواضع : " با قرا في " بحيرة المساء " ... حاجة بديعة
يا أخي" . في هذا اليوم قدم قراءة متأنية لقصة إبراهيم أصلان التي راقته في
هذه المجموعة : " العازف " كانت المرة الأولى التي أري فيها ناقدا
متمكنا يتكلم باقتدار وتسلسل هكذا دون تجهيز ودون منصة . بيقول من دماغه . عبارة حربي " باقرا ف بحيرة المساء ..حاجة بديعة "
يقولها بطريقة نادرة ومُغوية ، لها طعم ولون ورائحة.
سعيد
حربي يبدو كواحد بتاع ربنا ، حتى وهو يخوض في دلائل الإلحاد . وجه طيب مسالم . لا تتعافى شرارته إلا إبان النقاش . في
البداية طيبته لاتزال عائقا .وفي لحظة يمسك بدفة الكلام ؛ فيُسكِت من لهم باع .لاشك
– كان عندي - أن سعيد حربي سيصبح من ذوي الشأن في صبيحة الثورة إن شاء الله.
فين البنات ؟
مدرستنا الثانوية كانت ملاصقة
لكلية التربية جامعة عين شمس . كان مكاننا السحري للتزويغ السور الواطئ الفاصل بينهما
، نتعاون لنعبر هذا السور فنكون في لحظة طلبة جامعيين ، نخرج سجائرنا ونمشي بين
تجمعات تضم شبابا وبنات ، نظل نتمشى في ربوع الكلية ، نتحاشي الباب الرئيس المطل
على شارع المقريزي لقربه من باب مدرستنا ، نتوغل في كلية المعلمين حتى نصل إلى باب
آخر قريب من جسر السويس.كانت كلية التربية صورة مصغرة ، وإن لم تكن نموذجية ، لما
نحن على وشكه .. أماني نسمع طرفا منها :
كافتيريا وأسرا ومظاهرات وبنات .
في هندسة اسكندرية العملية كانت صعبة قوي ، المدرج كان كبيرا للغاية ، و النظام الإسلامي
في بثه التجريبي الذي سينتظم و سيطبق على الأنفاس بعد قليل ، القوارير في الصفين الأولين ، وفي بقية الصفوف
ينتظم الشباب . بعد إعدادي كانت هناك أقسام في حِلٍّ مما أراده الإسلاميون
أبرزها قسم الهندسة الكميائية وقسم عمارة
وإلى حد ما كهربا اتصالات . انضممنا وعدد من الرفاق إلى قسم هندسة الإنتاج . قال
صديقنا العائد توا من ألمانيا والذي يكبرنا بعشر سنوات على الأقل ، قال : " جتكوا نيلة حد
يخش إنتاج وبعدين هم رمينكوا لوحدكو كده
ليه ؟ هو ده قسم ؟ ده عامل زي بيت الفيل ."
غاب سيد الزغبي وعاد خبيرا في المساج ،
يذرع شوارع الإسكندرية بسيارته الألفا روميو ، في أيام الامتحانات يبتئس كثيرا .مكانته
أكبر بكثير من طالب يسهر الليالي ويركن إلى ديسك ، ويراوح نظره بين ورقة الامتحان
وبين السقف .
لم
يطق الزغبي الاستمرار في كليته وقسمه ، يمر العام في سلام إلا أن أيام الامتحانات ،
كانت مُرة عليه ؛ فبعض الأساتذة في القسم
كانوا زملاءه ، عندما سألناه عن أحد المعيدين وهل هو دفعته؟ قال ساخرا : معيد مين يا أبو معيد.... أنا دفعتي من مدرس وطالع . لم ينقطع عن الكلية ، إلا أنه قرر أن يحول
أوراقه إلى كلية الحقوق . وهنا استقر رأيه على طريقة جديدة في المذاكرة استقاها من
زملاء معمرين هناك .
استقر
سيد أخيرا على طريقة ينفق فيه الأيام القليلة علينا الطويلة عليه التي تسبق كل مادة .
يكلف أحد رجاله من الطلائع بتسجيل المادة
كاملة على الكاسيت . يجلس يدخن الحشيش ، والقانون الدستوري وقانون المرافعات وغيرها تنتشر في أرجاء الغرفة ، يلتقط منها ما تيسر . ينتهي الشريط فيعيدون
تشغيله إلى ما شاء الله . هذه الطريقة ابتكرها أصلا أحد زملائنا من طلاب كلية
الحقوق ، وحينما طلب منه سيد المعونة وأنه يريد أن يذاكر بنفس الطريقة نهره بطريقة
كوميدية : يا عرب أنا مش خسران حاجة ، بس ده غلط . أنا ممكن أعملك حاجة كويسة ، بس
المشكلة مش هنا . المشكلة إنك لسه جديد في
الكلية . نصيحتي : سنة أولى خدها من
الكتاب ، السنة الجاية إن شاء الله ما
تقلقش أنا عندي كل المواد متسجلة تسجيل نضيف
. مع إصرار الزغبي الفَيِّيس إلى أبعد الحدود كان له ما أراد .
ليالي الشمال
في
القطار السياحي الذي هو عبارة عن عربتين اثنتين ، بمقاعده الخشبية وعليها طبقة
رقيقة للغاية من الجلد كان يسمى تانية سياحي .هو أقرب إلى الدرجة الثالثة منه
للثانية ، وهو غير مكيف بالطبع ، لأن الغالب الأعم من عرباته كانت درجة تالتة ،
وكعادة هذه القطارات لا تكتفي بالمرور بدمنهور وطنطا وبنها فقط بل تزور وبتأن كفر
الدوار وكفر الزيات وشبرا وسائر البينيات . هناك فتاة بجانبي ، انتظرتها طويلا في
قطارات وأتوبيسات وفي الأحلام ، لكن لكل أمر آوانا ، كنت أقرأ في كتاب مترجم لم
أفهم منه شيئا ، ولكني مصر على القراءة ، كان كتابا لهربرت ماركوز ابتعته من أخ
يساري كان يوزعه في الكلية بمبلغ زهيد ، وكانت ما سوف أعرف أنها صوفي محمد سليمان تقرأ
في كتاب جامعي كتب عليه بالإنجليزية علم التشريح ، كمن يسأل في الأفلام القديمة عن
الطقس : أنا متهيأ لي شُفت الكتاب ده قبل كده ، وهي بدورها كانت على مستوى المسئولية فقالت : ده كتاب في
التشريح أنا في طب اسكندرية - وأنا أولى هندسة . صوفي لها وجه جميل وهادئ ، ممن
يمكن أن تطلق عليهن ببساطة وعدل : رقيقة ،
من بعد سيدي جابر بأمتار حتى محطة مصر أخذنا الكلام . كبطل " القدم الحديدية " أخذت أرص
الكلام رصا . ما تعلمته بعيدا عن غرفة
العائلة كأحد القريبين من الأحداث. في الحقيقة كانت المقالات التي تنشرها جريدة
الشعب أكثر تأثيرا من أترابي طلائع اليسار المصري ، وخصوصا ما كان يكتبه فتحي
رضوان ، كان الكلام لا يستريح في جوفي كثيرا أحرص دائما على الهداية على عدم
الاستئثار بالنفع ، وإلا فكيف سينصلح حال البلد ؟! ، أضف إلى ذلك التماع عيونك حين تقول كلاما يأخذ
بالألباب ، في الحقيقة لا تهم مسألة الألباب كثيرا ، المهم أن تكون واثقا بما تقول ضالعا فيه إلى
أبعد ما يكون ، وكنت ضالعا فعلا . كانت صوفي تعبرعن ضيقها من طلاب الجامعات الإسلامية
الذين فيما أفسر أجهضوا حلمها بالجامعة التي هي مكان لصداقات حرة بين طلاب وطالبات
.عادي كما يحدث ، كل صباح يصعد طالب على مسرح المدرج ؛ ليقرأ ما تيسر من الذكر
الحكيم . ما الفرق بين هذا وبين أن تسمع
االقرآن الكريم في اصطباحة احد المحلات ، أو هكذا حرا يخرج من نافذه مجهولة ويسايرك على قارعة الطريق ؟ هناك
فرق .فرق كبير. أنا أعرفه . كراهيتنا غير المسيسة لهذا ( التُّقل ) قربت
بيننا وجعلت المحطات تفر فرا . عندما رأيت محطة شبرا ركبني الهم . هذه المحطة كانت
لاتأتي أصلا .
ما
أفسد العلاقة بيني وبين صوفي هو رغبتنا الشديدة في الكلام أرى أن كلامي أكثر أهمية
، هي أيضا تريد الكلام ربما أكثر مني بكثير ، إذن من الذي سيسمع؟ آه .. شيء آخر
كان يستفزني في صوفي الجميلة : لا شيء يدهشها ، ومع ذلك هي حريصة كل الحرص على علاقتي معها .
الموضوع عندي كان بسيطا أن من نحبهم لابد أن يكونوا مدهشين . أيا ما كان الموضوع
تستقبله بعادية كأنها سمعته آلاف المرات . كان لها لازمة غريبة . لولا جمالها لما
تحملت . العصبيون أيضا عندما يحبون يبلعون عن طيب خاطر أنواعا شتى من الزلط . كانت عادة غريبة وسخيفة بالفعل . أن
تحكي لها ما أختبرت كونه مثيرا لدى آخرين معتبرين ، وهي تقابل ذلك بحركة تخرج من
فمها و أنفها في نفس الوقت : هَه ..هه ، هه تعنى : ماشي ماشي ...ادخل في المهم بقى .. لكن ما
يهمها لم يأتِ أبدا . بسبب ذكائها كانت احيانا ... أحيانا ( أنا الآن أعرف معنى
محددا لـ أحيانا ) ، أحيانا تبدي استظرافها لتعليق مني أو جملة في قصيدة ألقيها
عليها ... تقول : جميل جدا ... " جميل جدا " دائما مصحوبة بابتسامة .
ابتسامة نظرية ، لها علاقة بعلم المعاني ،
أو بقاموس الابتسام تبرزها بدربة كترجمة فورية لما حدث . فقط لتصنع
توازنا رياضيا وتفسح المجال لــ هه ... هه التي ستنهمر دائما لا أحيانا . الـ هه هه تتصاعد وتيرتها وتتفاقم مع الآخرين . كان هذا
من المهدئات التي أطالت أمد العلاقة ؛ إذ
استوثقت أن حظي من الـ هه هه ، وإن ثقل عليَّ ، قليل جدا ، ويستوجب الحمد . كان هذا الموضوع
يحيرني كثيرا . يقض مضجعي كما يقولون . إنسانة غريبة فعلا كيف لها بهذا الحضور
الفذ . أحيانا ، لا . كثيرا ، والله كانت ببلوزة بيضاء وبجيب ليس بطويل وبقصة شعر كارييه تفوق سعاد وفاتن بضربة واحدة .
أضف إلى ذلك ذكاءها الحاد . ما جمع القلوب هو الشعر. أيامها كنت حافظا عن ظهر قلب
لديوان فاروق جويدة "في عينيك عنواني " . وكان حفظي
لقصائد الديوان أمتن من حفظها بمراحل.
كانت علاقتي بفاروق قد انتهت بعد أن طالعت قصائد أمل دنقل وصلاح وحجازي برعاية
يسارية . تلاسَنَّا في لقائنا الأول بطب
الإسكندرية ، ترتل علي أبيات جويدة وأنا
أنظر إليها بعيون تقول أيضا وبوضوح هه ...هه
، أنتظر دوري في الكلام . " ده مش شاعر أصلا
يا شيخة " .عندما تتعثر أكمل لها قصائد جويدة فيزداد غيظها . عندما ألقيت على
مسامعها نفحة من دينى الجديد : ( معذرة يا
صحبتي ...فالضوء خافت شحيح ...والشمعة الوحيدة التي وجدتها بجيب معطفي أشعلتها لكم ....لكنها قديمة معروقة..
لهيبها دموع . معذرة يا صحبتي قلبي حزين .. من أين آتي بالكلام الفرح.) لم تنجذب ،
بل قالت : معذرة لك ولشاعرك هذا! . قلت
شاعري هذا ؟! ...ده صلاح عبد الصبور يا بنتي ! . فنزلتُ بدنقل : " المجد
للشيطان معبود الرياح.... من قال لا في وجه من قالوا نعم ". فأفُحمت ؛ ليس
إعجابا بأمل ، لكن لحضوري الفذ كمناظر !!
سيبك من الحب .أجمل ما قمنا به معا تخريج أغاني
فيروز . ساعات طويلة قضيناها كل يحمل أوراقه التي تضم الكلمات المحتملة للأغنية ،
ونقابل بينها بدأب ودقة كلجنة منوط بها عمل مصيري
. تعشق فيروز ، تسهر لتخريج شرائطها ، لديها كشاكيل خاصة لهذا العمل . بعد
أن صرنا صديقين . أطلعتني على مجهوداتها الفذة ، كيف تلهث وراء فيروز . قمة بهجتها
عندما تنتهي من تحقيق شريط كامل . تطلعني على مراحل الأغنية : اللفظة تتغير عدة
مرات .الكلمة في الأغنية لا تجد نفسها أحيانا
إلا بعد ثلاث أو أربع محاولات فاشلة . الكلمات الخاطئة مرة تكون غريبة وأحيانا
مضحكة ، و كثيرا لا تنتمي إلى أية لغة . تتلو بسعادة وانتصار
الكلمات الشامية وتشرح ما يحتاج إلى شرح . كيف لفيروز أن تمر على القلوب وتتوقف
وتتملى دون أن .... . كيف لليالي الشمال
الحزينة أن تتعايش سلميا مع الـ هه هه هه؟
هل صوفي بلا عواطف فعلا ، أم أن العواطف أنواع ؟ دموعها قريبة ، وقلبها حاضر وهو أيضا في مكمن سحيق ، تحب الشعر وفيروز وسامية جمال و
المليجي واستفان روستي وتعرف أمارات عنهم أحسبها أماراتي . أفضل ما يقال في أبواب الود والتأثر وخفة
الدم والألم والضعف والجنون تعرفه وتقف
على ناصيته لكن . لكن ما المشكلة؟ ربما يكون ضعفا في التمثيل ، هي لا تجيد التمثيل
أو تجيده . دائما خارج المشهد. خارج
المشاهد ، ومع ذلك تتطاول بثقة على أعذب الممثلين ، بل وتعيِّرهم بضعف موهبتهم .
البجاحة والرقة يتناوبان دون أزمة إلا لمن صبر.وكنت من الصابرين.
قرأت مرة :
أن " النفوس الفصيحة لا تحب التمثيل لأنها ببساطة لا تحتاج إليه ، في
أية فراغات سيعيش المسكين ، وأي هزيمة سينقذ ، وأساسا أين الضعف الذي سيتسقيل في
حضرته؟ اللغة المنجزة عدوة للتمثيل .لذا الأمر والحال هذه يشبه سيناريو لا يأتيه
باطل. يمكن أن نتلو سيناريوهات خطها آخرون نتلوها بشغاف قلوبنا ، متوسلين بما
أوتينا من حظ تمثيلي ، معتدين ولو قليلا بعدم الاعتداد الزائد بالنفس الأمَّارة.
يمكننا أن نحرّف تلك السيناريوهات إلى أبعد مدى فلا يتناهى سحرها ."
أما صوفي فكانت تقرأ سيناريوهاتها هي - زبدة عقلها ! وأنا أعشق التمثيل - التمثيل منقذي حين تطيش اللغة وتصبح كأنها لم تبدأ
بعد ،
بعد
سنوات ليست قليلة وتحت المظلة بمرور مدينة نصر حيث العشرات ينتظرون أمام نيابة
المرور ، ننتظر نداءات متنوعة : براءة ذمة
- 1... جنيه .. إلخ . كلما هم الموظف
بالنداء عبر الميكروفون تتعلق الآذان به . حدث أن قال مرة صوفي محمد سليمان ، يا إلهي
، " أحب من الأسماء ما شابه اسمها ووافقه
أو كان منه دانيا " .هممت خطوات لأرى عن كثب ، فإذا بامرأة منقبة ، في نهاية
السواد حوالي 2سنتيمتر من الجينز تستريح على كوتشي ماركة أديداس . تتقدم بهمة نحو
الشباك. نظرت إليها متابعا . النقاب لا يحجب القلوب ولا الأرواح. نظرت إليها .
كأني أراها في جريدة أو على التليفزيون. أنا أراها . هل
تراني ؟
شقة سبورتنج
في ذلك
العام استقر بنا المقام في شقة بسبورتنج على البحر على مقربة من مطعم أباظة .
البواب هو عم بدر كان جادا لدرجة غير مريحة . من يوم واحد في الشهر . يقف أمام
العين السحرية . بهدوء وتصميم . الجرس يرن ولا حياة لمن تنادي . أحيانا يمضي صامتا
، والأغلب يردد " عيب ما يصحش " ولا يزيد . للإنصاف عم بدر كان طيبا إذا
قيس بآخرين كصاحب شقة سيدى جابر أو بواب شقة الشاطبي . المهم في هذا العام تعرفنا
بواسطة زميلنا النزيه جدا صلاح قاسم على جزارة السلام القريبة جدا من سينما سبورتنج ، كان هذا المحل قد قرر أن يقيم دورا إضافيا
أشبه بسندرة ، ويقدم فيها وجبات لطلاب الجامعات
الذين كان يعمر بهم شارعا طيبة و تانيس
وغيرهما. كنا زبائن شبه دائمين لما عرف عنده بطبق اليوم . وهو طبق كبير فيه تشكيلة
من الخضروات والأرز وقطعة من اللحم . قطعة اللحم كانت مميزة وتستطيع أن تغفر كل
السوءات التي يشتمل عليها طبق اليوم . كان
" ميمي الصغير " هو من يستقبلنا في المحل ويقدم لنا الطلبات وعلى كاهله
تقع مسئولية مسايرة الزبائن والتلطف معهم . شباب زي بعض . أما ميمي الكبير بالمناسبة
هو كبير المقام فقط ؛ فهو أخو صاحب المحل ، شاب لطيف جدا ، لكنه شخصية ، بعد وقت
قصير سيفتح محلا خاصا به على الجهة الأخرى ، يقدم فيه المشويات .
باستثناء
هشام صبري كلنا - سكان هذه الشقة - ننتهي من ثروتنا في الأسبوع الأول من الشهر ،
نكمل في مطعم الجامعة . أو نخرج علب النابلم ( سردين مطعم الجامعة ) التي خزناها
سلفا. أو نتردد على صديقنا الجميل سامح الراوي فارس قسم الهندسة البحرية القابع بشقة بمفرده بسبورتنج الصغرى . سامح هو
أصغر أفراد عائلته الكبيرة الذين تناوبوا على هذه الشقة ؛ لينالوا التعليم العالي
بجامعة الإسكندرية ، بود : " تاكلوا ياشباب " ، بكامل الود : " طبعا يا سموح " ، " والله ما عنديش غير شوية نواشف أمي بعتتها النهارده " . دائما لديه أكل طازج وارد طنطا القريبة
أصبحنا خبراء بأكل أمه ولا نرضى عنه بديلا . بطاطس محمرة لا تشبه غيرها من البطاطس
وقطع من اللحم المحمر. ربما يعود تقديرنا لهذه النواشف . أنها لم تكن أبدا بالنسبة
لنا مجرد نواشف . كانت ملاذنا الأخير . المشكلة في الباشمهندس سامح أنه كان لا
يشاركنا الأكل ، يجلس مبتسما ، كذلك غضبه كان مفاجئا لا تعرف أسبابه ، كل نوبات غضبه تحتاج إلى شرح أو تعليل ، وأنَّى لنا بالتعليل ؟ صحيح الحلو ما يكملش . لو كان سَمُّوح خاليا
من هذا العيب . هذا العيب فقط . لصرنا
مسئوليته في هذه الغربة .
سامح
كان من القلائل الذين ينتمون إلى طنطا ولا يسافرون أسبوعيا . له هواية يمارسها بحب
ودأب . كان يقطع الأغاني الأجنبية التي تنشرها مجلة صباح الخير ويعلقها على حائط
غرفته ، عبارته الأثيرة والمتكررة " أنا مش قاعد هنا أصلا " ، يقول هذه العبارة مرارا وتكرارا ودون سياق ، وأحيانا
دون لزوم ، فور تخرجه ذهب في رحلة عمل على أحد المراكب وتخلف ، واستقر في أمريكا .
في
مساء من المساءات الكثيرة التي بلا فلوس ،
كانت الامتحانات على الأبواب ، قال أحمد محمود أكثرنا اهتماما بمسألة المذاكرة :"
إحنا عايزين نقعد مع بعض شوية " ، واقترح : كل واحد ينزل يِتصرَّف في اللي يقدر عليه ،
ونجمع الفلوس وممنوع حد يمسك فلوس في أيده خالص . هانجيب أكل ونحطه في التلاجة ويبقى
فيه التزام ..لو سمحتم يعني . هنا هب هشام صبري : طالما إحنا قعدنا مع بعض ما
ينفعش وضع المطبخ كده : الحوض مليان أطباق وكبيات لتُمُّه ، قولنا ميت مره كل واحد عليه المطبخ يوم ..... أنا
سامحوني بقى مادام فيه ناس مش ملتزمين أنا مليش دعوة بالمطبخ . احنا مش شغالين
عندكو . رد صلاح قاسم : تقصد إيه يعني ؟ أنا ما غسلتش ؛ عشان ما كلتش ولا يوم في البيت .
عاد أحمد محمود ليمسك بزمام الاجتماع : يا
جماعة يا جماعة انتو بتتكلموا في إيه واحنا
بنتكلم في إيه . عموما لازم نحط نظام من أول وجديد . آخر ما قاله أحمد محمود : على فكر ة يا جماعة ما حدش يروح لـ مجدي
زبدة ولا ماهر السيد ولا سيد عرابي عشان
انا ها ستلف منهم . بسرعة البرق قال صلاح : " أحه وأحيه " . بدا الامتعاض عليّ
وقلت : بس مجدي زبدة ده صاحبي ... أنا اللي ما عرفكم ليه . بحكمة من يريد
للاجتماع وتوصياته أن ينجحا ، تنازل أحمد
عن مجدي زبدة ؛ ليكون مديني أنا . ثم أردف : خلي بالك ..بس مجدي كبيره 2 جنيه !
نزل الرفاق
واحدا تلو الآخر ، وبقينا أنا وهشام صبري ، دخلت لألبس ، وعدت فوجدت هشام نائما في
غرفته ، حاولت إيقاظه ، قال بغباوة هي من خصائصه أنا مش نازل ومش هآكل معاكو ، أنا
هاتصرف لنفسي ، بس سبيني أنام . عدت إلى
حجرتي ، وأغلقت الباب . خارت همتي مما قاله هشام . وفردت على السرير . بعد قليل
سمعت صوتا في الشقة ثم رأيت خيال شخص من وراء زجاج الباب . فقمت لأرى، خرجت إلى
الصالة حيث الغرفة الكبيرة التي يسكنها أحمد محمود وصلاح معا ، فوجدت ميمي الصغير،
يجلس على الأرض وبيده شنطة ويضع تباعا ماتلتقطه يده من ملابس ، نظر إلي وقال بوجهه
البشوش " انا بس لقيت باب الشقة
مفتوحة فدخلت لقيت الدنيا زي ما انت شايف "
.ذهبت إلى ترابيزة السفرة القريبة من الباب وأخذت كرسيا ووضعته خلف الباب المكسور كالونه ،
وقدمي على كرسي مقابل ، وناديت على هشام صبري بعزم الصوت .... جاءني بصبر نافد . بيجامة هشام دائما بنطلونها قصير ، وهذا
لا يضيره في شيء ، ولم يتحرك أبدا ليصحح الموقف رغم سخريتنا القاسية . لدرجة أنه
في النهاية أصبح يشاركنا التندر على نفسه . المهم أتى هشام حافيا ببيجامته
المذكورة . أفهمته ما حدث بخطبة عصماء وبصوت عال ..بزعيق عله يقدر الموقف ويصحو من
غفوته . اقترب ميمي منا وقال بمسكنة غير
حقيقية " معلش يا باشمهندسين ...غلطة " ، طلبت منه بحسم أن يجلس على
كرسي مقابل لي ، أطمئننت أن قدميَّ مازالتا مفرودتين أمامي لأزيل عن نفسي الخوف .
الغلطة الكبرى التي ارتكبتها هنا أنني طلبت من هشام أن ينزل فورا ليحضر الحاج حمدي
صاحب المحل أو ميمي الكبير ، وأيضا يبحث عن زملائنا الذي ذهبوا ليتصرفوا ولم
يعودوا ، بعد نزول هشام شعرت بالورطة : ماذا سأفعل أنا وميمي بمفردنا ؟ ، ميمي
الصغير صاحب قامة مديدة ، وجسم رياضي ، هو أساسا مجند هارب من سلاح الشرطة
العسكرية . يقول أحمد محمود والأصدقاء: الحمد لله ..كل حاجة اتسهّلت.. قابلنا هشام
عند المحل ..كنا راجعين والحاج حمدي وميمي الكبير كانوا موجودين وعلى طول جُم
معانا ، يقولون إنني ظللت عشر دقائق بمفردي مع ميمي ، وأنا أقول إن جلستنا الثنائية
هذه استمرت على الأقل ثلاث ساعات ، كل ما فتح به الله عليّ أثناء انفرادي بميمي ،
أو انفراده بي " مفيش حاجة يا ميمي
احنا بس هنجيب المعلم بتاعك وهو هيحكم . مفيش أي حاجة .... احنا
أخوات. " في النصف الساعة الأولي طبقا لتوقيتي كنت مرعوبا رعبا حقيقا ، تذكرت انني أخاف من الكلاب وأتفادي كل الشوارع التي تعمر بها ، وأسلك الآمن وإن يكن بعيدا ،
تذكرت أنني لم أخض موقفا مشابها ، لم أكن سوى متفرجا على خناقات المدارس سواء
خناقات الأيدى أوالجنازير . لو كان ميمي يمتلك أي قدر من الشجاعة ، لو جرب ، بالتأكيد
كان الموقف سيبدو مختلفا ، لكنني بعد ذلك اكتشفت في نفسي قدرة على التمثيل و فصاحة
خافية . بل ووصلت إلى نظرية فابتسمت لأحيي نفسي ، مما جعل ميمي ينظر إليَّ حائرا .
النظرية هي أن بمقدور كل الناس أن يصبحوا ضباط مباحث وعلى مستوى . أضف إلى ذلك أنه
يمكن أن تجعل الآخرين يصدقونك بصرف النظر تماما عن ......... المهم في الشجاعة ليس
أنت بل النظارة . بعد ساعة ونصف طبقا للتوقيت الشخصي غابت عني كل هذه الهواجس ، وبدأت
أتعامل مع نفسي بشكل مختلف . أنا شجاع فعلا . او على الأقل أنا شخصيا الموجود في
هذا المكان . عند مجيء الأصدقاء زاد اطمئناني عن تصوري الطارئ عن نفسي ، فقد كالوا
المديح وأخذت الحكاية تتناقل في أرجاء
الكلية ؛ مما دفعني لا إلى التصديق فقط ، بل
إلى الحفاظ على المكانة الذي هو أصعب من المكانة نفسها . لم أنس ربما اندماجا أكثر
في الدور ، لم أنس أن أمر على عم بدر الذي أعرف أنه غير موجود ، وأنتظر رد زوجته المعروف ، ولكن هذا هو الأسلوب الجديد . ذهبت إلى المكان
الذي أخبرني به الأصدقاء . كان يلعب
الدومينو أمام عمارة قريبة نسبيا مع بواب
زميل . قلت له بأداء عال : انت
بتلعب دومينو ؟ ! ماشي يا عم ، لم يعرني انتباها ، فأردفت وأنا أمشي : على فكرة ياريس بدر .... الشقة اتسرقت .
تعقبني راجيا أن أفصح ..... طبقا لحالتي الجديدة مضيت دون أن أنبس ببنت شفة .. راعني
أن هذا الرجل الكبير المرعب سلفا .... يجري خلفي ... لكنني اطمئننت أن النظرية تعمل وبكفاءة .
النهار
قسم هندسة الإنتاج كان يضم خمس فتيات لا غير،
أربع منهن أدوارهن محدودة للغاية وغير مؤثرة. البطولة المطلقة كانت لنهى حلمي ، جميلة
وإنْ بمجهود تقوم به بإخلاص ودأب من تعرف
أن البطولة مسئولية ، في معيتها تمشي
الصامتات الأربع ليشكلن معا "
البنات " ، حين ظهرت نجومية نهى كموهبة فريدة تستطيع أن تتحمل بمفردها مسئولية قسم ، كانت علاقتي بصوفي قد تجذرت . كان يسعدني
الاستغناء عن نهى وغيرها ممن زاملنني في أسرة النهار التي بزغت أخيرا وفجأة .حين
أخرج من الشقة أصرح ، دون أن يسألني أحد ، عندي معاد مع صوفي ،
وأتلقى صيحات الحسد بتواضع من استطعم الفخر مرات . وأمضي إلى علاقتي العصامية التي أقمتها بحول الله قبل النهار الذي لاح أخيرا .
ظهور
نهى الفعلي كان في أعقاب مقتل السادات ،
إذ سيكون لأول مرة اتحاد طلابي عادي دون ذقون ، بأسر ورحلات وحفلات موسيقية .
هالني البعث المفاجئ لكل هذه الأنشطة بين ليلة
وضحاها . أين كانوا ؟ في عطلة قصيرة ؟ استمرت حوالي أربع سنوات ، والدليل على ذلك أن
جماهيرهم كانت حاضرة . تطلب فقرات من ألبوماتهم القديمة . حفلات لفرقة الحفيد ، والطلاب يهتفون لإيمان البحر طالبين أغنيتهم
المفضلة بإلحاح وصياح :
" الحشاشين... يا بحر " .
وممثلون محترفون ينتمون إلى سنوات نهائية في ذات الكلية. أين كانوا ؟ المدرج الذي
استضاف عمر التلمساني يوما . ولم يشهد سوى أغنية واحدة : " إلهي إلهي.. أنت عزي أنت جاهي " ،
عاد ليُسرِّي عن نفسه ، ويرى مثلنا حفلات فنية وثقافية مختلفة وحشودا من البنات
والبنين .
الظهور الثاني للفريق الإسلامي سيكون سريعا ، لكنه خال من رومانتيكية الجماعة الأولى وأحلام يقظتها
، ظهور بأثواب جديدة ، أثواب لم تبلَ حتى تاريخه . إنها قصة أخرى.
** نشرت في مجلة أمكنة
المصرية 2.1.